العودة إلى المدونة

بلا عقود أو حماية: كيف يؤثر التمويل والتحول الرقمي في الصحافة المستقلة بفلسطين؟
تسع هذه التجربة لتشمل واقعاً متزايداً يعيشه عشرات الصحفيين المستقلين، حيث تتقاطع الحاجة إلى الاستقرار المالي مع هواجس الحفاظ على المهنية وال

رام الله- رهف مجدي- منصة ظل:
في غرفة صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار، تجلس الصحفية ولاء، أمام شاشة حاسوبها لساعات طويلة، تكافح لإنهاء تقرير جديد لمنصة رقمية تعمل معها بشكل مستقل. يغيب العقد الثابت، ويغدو الدخل غير مستقر، حيث تترقب تحويلات مالية متقطعة ترتبط بمشاريع ممولة من جهات خارجية، تفرض شروطها وخطوطها التحريرية غير المعلنة. تقول بنبرة يملؤها الإحباط: "أحيانًا أشعر أنني أكتب ما يُطلب مني، لا ما أريد قوله فعلاً"، في إشارة واضحة إلى المساحة الضيقة التي تتحرك فيها الصحافة المستقلة في فلسطين.
تتسع هذه التجربة لتشمل واقعاً متزايداً يعيشه عشرات الصحفيين المستقلين، حيث تتقاطع الحاجة إلى الاستقرار المالي مع هواجس الحفاظ على المهنية والاستقلالية. يروي الصحفي المستقل كرم حسين تفاصيل هذه المعاناة البنيوية، مؤكداً أن الصحفي المستقل اليوم يعمل في ظروف غير مستقرة على الإطلاق، إذ إن غياب العقود القانونية الثابتة وحرمان الصحفيين الأحرار من التأمين الصحي والاجتماعي يجعل التمسك بالاستقلالية خياراً شاقاً كل يوم. ويضيف أن الواقع المعيشي الضاغط يفرض أحياناً خيارات صعبة ومؤلمة للموازنة بين الحفاظ على المبادئ وتأمين مصدر دخل مستمر يضمن البقاء.
أجندات التمويل وضغوط البيئة الرقمية
يعكس هذا الواقع الاعتماد الشديد للمؤسسات الإعلامية المستقلة على التمويل الخارجي المشروط بمشاريع محددة، تتضمن مؤشرات أداء صارمة تتعلق بعدد المواد وسرعة التفاعل. يوضح كرم حسين أن التمويل القائم على "المنحة السريعة" يخلق قلقاً مزمناً من التوقف المفاجئ، ما يدفع المنصات لتفضيل مشاريع تضمن التدفق المالي على حساب أولويات التغطية واختيار مواضيع دون غيرها. ومع صعود الفضاء الرقمي، تضاعفت الضغوط لملاحقة "الترند" وجلب المتابعة، ليصبح معيار المصداقية في نظر الجمهور مرتبطاً بعدد المتابعين لا بعمق المادة وسياقها السياسي والإنساني.
ولا تتوقف هذه المعضلة عند الشق المالي أو التحريري، بل تمتد لتمس سلامة الصحفيين في الميدان، إذ ينصب تركيز المؤسسات المشغلة على تحصيل المحتوى فقط، بينما يتوارى توفير الأمان القانوني والجسدي للصحفي الحر "الفري لانسر". ويتضاعف الخطر الميداني عبر إجراءات الاحتجاز والتفتيش التي ينفذها الاحتلال، والتي تؤدي إلى مصادرة المواد المصورة وفقدان الأمان الشخصي، ليكون قلق المشغلين متمحوراً حول خسارة المحتوى لا سلامة الإنسان.
البنية التحريرية وانعكاسات رأس المال
تُفكك ميرنا الأطرش، رئيسة تحرير إذاعة "بلدنا" في بيت لحم، هذه البيئة موضحة أن التمويل الخارجي يحوّل الأولويات التحريرية لتصبح موضوعات مثل الحوكمة وحقوق الفرد، بصيغها الغربية، مقدمة على القضايا الأساسية للجمهور الفلسطيني، كالمخيمات والاستيطان والأسرى والقدس. وتضيف الأطرش أن هذا الارتهان يولد "رقابة ذاتية" لدى الأطقم التحريرية خشية إزعاج المانحين، ما يُفقد المؤسسات مصداقيتها لدى جمهورها، ويقسم الإعلام إلى قسمين: إعلام شعبي مستقل لكنه يعاني العجز المالي، وإعلام ممول ومحايد تجاه القضايا الوطنية الكبرى، ما يجعله رهينة الدورات التمويلية والسياسات الغربية المتقلبة، ويتراجع دوره كسلطة رابعة تتجنب النقد الجريء للفساد أو السياسات الرسمية خوفاً من المانحين الداعمين للمؤسسات الرسمية.
وفي قراءة تشريعية تتكامل مع هذا الطرح، يحذر منتصر حمدان، عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين، من هيمنة رأس المال على الوسائل الإعلامية، وتأسيس منصات رقمية موالية لمراكز نفوذ سياسية واقتصادية. ويكشف حمدان أن سوق العمل يشهد تضخماً كبيراً؛ حيث يعمل في فلسطين نحو 4000 صحفي وصحفية (منهم 3000 مسجلون بالنقابة و20% من الإناث)، بينما تضخ 17 كلية ومعهداً إعلامياً مئات الخريجين سنوياً إلى سوق عمل هش ويعتمد على الإنتاج بالقطعة دون حماية اجتماعية، ما يحشر الصحافة المهنية في زاوية حرجة في ظل اتساع المنافسة مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنصات الفردية.
الاستدامة ومستقبل الرسالة الصحفية
تضع هذه المعطيات المتشابكة الصحافة المستقلة في فلسطين أمام اختبار حقيقي يتطلب إعادة صياغة البيئة التشغيلية برمتها، بدءاً من فرض عقود عمل تحمي حقوق الصحفيين المستقلين، وصولاً إلى ابتکار نماذج تمويل تضامنية ومستقلة تضمن استدامة المؤسسات دون الارتهان لأجندات المانحين أو الانصياع لخوارزميات الفضاء الرقمي. ويرى منتصر حمدان أن الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية إذا تم استثمارها وفق قيم الصحافة المهنية، شريطة توفر بيئة مجتمعية وسياسية تدعم التدفق الحر للمعلومات وتصون حرية التعبير، فالرهان اليوم لا يتوقف عند حدود استمرارية المنصات والإعلام الرقمي، بل يتصل بحماية حق المجتمع الفلسطيني في الحصول على معرفة حرة وموضوعية تعبر عن واقع معاناته وتطلعاته الوطنية.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.